الاثنين، 13 مارس 2017

(18)النبي إبراهيم وعصر الهكسوس - الجزء الثاني


وتعد زيارة ابراهيم عليه السلام لمصر افتراضا وجيها عليه بعض الإشارات غير أن المصدر الوحيد الذي نص علي ذكر مصر في زيارته هي التوراة . وهو الأمر الذي يجعلنا غير قادريين علي الأعتماد عليها وحدها تمام الأعتماد , إلا أن يرد مصدر آخر يعضلها ويؤكد علي ورد فيها ,. فجميع المصادر سواء الإسلامية منها أو الأثرية لم تذكر من قريب ولا من بعيد بإشارة واضحة أن إبراهيم قد وفد الي مصر فلا يوجد ذكر ذلك في القرآن الكريم البته . أما في السنة المطهرة فلم يرد ذكر هذه الزيارة مقرونا بأسم مصر . فنجد ذكر الملك الذي حاول أخذ سارة مذكورا علي عمومه ( جبار من الجبابرة ) ففي الحديث المتفق عليه يقول النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة " لم يكذب إبراهيم إلا في ثلاث كذبات ثنتين منهن في ذات الله قوله (اني سقيم) وقوله (بل فعلها كبيرهم هذا) وقال بينما هو ذات يوم وسارة إذ أتي علي جبار من الجبابرة فقيل له إن ههنا رجلا معه امرأة من أحسن الناس فأرسل إليه فسأله عنها من هذه ؟ قال أختي ، فقال لها إن هذا الجبار إن يعلم أنك أمرأتي يغلبني عليك فإن سألك فأخبريه أنك أختي فإنك أختي في الإسلام ليس علي وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك .... الخ الحديث "
وكما نرى في الحديث انه لم يرد ذكر مصر ولا حاكمها وإنما كان الأفتراض من علماء الحديث والمفسرين بأن هذا الجبار هو حاكم مصر في زمن إبراهيم نظرا لمحاولتهم التوفيق بين ذلك الحديث وبين حديث آخر حيث قال صلى الله عليه وسلم " إنكم ستفتحون مصر وهي أرض يسمى فيها القيراط فإذا فتحتموها فأحسنوا الي أهلها فإن لها ذمة ورحما أو قال ذمة وصهرا فإذا رأيتم رجلين يختصمان في موضع لبنه فأخرج منها .... الخ الحديث " اخرجه مسلم في صحيحه



ويقرن المفسرين وعلماء الحديث بين الحديثين كمحاولة للتوفيق بين الواقعة في الحديث الأول وبين الذمة والرحم والصهر في الحديث الثاني فيفسرون الرحم والصهر علي انهما يشيران لأم اسماعيل هاجر عليها السلام وينسبوها الي مصر بلد القيراط التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام .
علي أن هذه الألفاظ غير قطعية الدلالة علي أن الذمة والصهر أو الرحم تشير الي هاجر أم اسماعيل ولا دليل البته غير التوراة علي أن هاجر مصرية الأصل . ولا تعدوا أقوال المفسرين وشراح الحديث عن كونها محاولات للتوفيق بين الروايات وتفسيرها ببعضها البعض خاصة بعد أن وجدوا أن رواية التوراة غير قطعية الثبوت هي الأخري فلا يجوز التوفيق بين مصدرين لم يتوافر فيهما قطعية الدلالة والثبوت معا ، فأحاديث النبي السالفة قطعية الثبوت ولا شك ولكنها غير قطعية الدلالة في اثبات القدوم الي مصر ، فلا يجوز أن نثبت دلاله هذين الحديثين بمصدر آخر وهو التوراة غير قطعي الثبوت .
ويحاول بعض العلماء اثبات أن زيارة ابراهيم أثر مسجل عند المصريين ويذهبون الي أن تلك الأحداث كانت في عصر مبكر قليلا عن بداية تسلل الهكسوس الي مصر التي كانت في هذه الفترة قد استقرت نسبيا بعد صراع داخلي علي الحكم إثر موت الملك منتوحتب الرابع امير طيبة وملك مصر ، فأصبحت مصر دون وريث وتصارع علي الحكم وزيره امنمحات الأول ولم يكن من عائلة ملكية ولكنه كان القائم بالحكم بالفعل ، وربما كان الملك منتوحتب الرابع قد زكاه من بعده وكان متسلطا علي الجيش فنشب الصراع بينه وبين حكام الأقاليم خاصة حكام منف وربما هليوبوليس كذلك وواجه أكبر أسرة حاكمة في مصر وكانت الأحق بالحكم لعدم وجود وريث شرعي في العائلة المالكة في طيبة فأنتصر امنمحات الأول علي حكام منف وهليوبوليس وقتل اميرهم وسبى ابنته ( التي يرجحون إنها كانت الأميرة هاجر ) وفر باقي اهلها الي خارج مصر وذلك وفقا لأفتراضهم سالف الذكر .
وللحديث بقيه ......
=============

المرجع :- فرعون ذو الأوتاد

السبت، 11 مارس 2017

(17)النبي إبراهيم وعصر الهكسوس - الجزء الأول

يضطر مؤرخوا العصور القديمة فى كثير من الأحيان إلى إطلاق العنان لخيالهم ، للربط بين بعض الشواهد الأثرية التى تنطق بها بعض الحفائر المكتشفة ، وذلك لضبط  إيقاع تسلسل الأحداث فى فترة زمنية بالتاريخ القديم ، هادفين إلى أن تنسجم حركة هذه الأحداث مع ماورد فى كتبهم وأسفارهم ، وأن تتوافق مع أهوائهم وعقائدهم ... والرأى عندى أنه لايوجد تأريخا صحيحا للماضى القديم بالمفهوم العلمى لعلم التاريخ .. بل يوجد مايمكن أن نسميه جوازا علم تفسير الآثار والحفائر والبرديات .. وعلى هذا الأساس فهو علم متغير بطبيعته ، ويعتمد على ما قد يتم كشفه تباعا من آثار وحفائر قد تؤدى إلى تصويب ماكان مستقرا من قبل من معلومات أثرية تشير إلى بعض الدلائل التاريخية .
 وعندما يلجأ مؤرخوا هذا الماضى البعيد إلى سلسلة من الإفتراضات والتخمينات لملئ ثغرات أو فراغات الأزمان القديمة ، وربط أحداثها بتسلسل معين يقبله منطقهم وعقيدتهم ، فهم مضطرون إلى ذلك لإضافة خلفية حية تزيد من حيوية المشاهد والأحداث بحيث تتفق مع أهدافهم السياسية والعقائدية . وأقول أنه على الرغم من أن آثار قدماء المصريين وبردياتهم ، وعلى الرغم من دقتهم واهتمامهم بتسجيل وتدوين الأحداث ، فإننا نجد أن كل ماتركوه لنا حتى الآن لم يشر من قريب أو بعيد إلى زيارة إبراهيم عليه السلام لمصر ، أو يشر إلى يوسف وموسى عليهما السلام ، فلا يوجد من بين ماتركوه من آثار مايؤيد تلك الأحداث الهامة من سير الأنبياء .
 كما نجد أن لفظ "الهكسوس" – على سبيل المثال – على ماله من أهمية ، وخاصة بعد أن ربطه الكثير من المؤرخين بالعبرانيين وببنى إسرائيل ، ومنهم من قال أن الساميين هم العنصر الهام لقوم الهكسوس ..وأنه على الرغم من أهمية هذا اللفظ وأهمية قوم الهكسوس فى حركة الأحداث بالنسبة لتاريخ العبرانيين وأنبياء بنى إسرائيل ، فإن لفظ "الهكسوس" مازال يحير علماء التاريخ ، وسوف يظل موضوع أصل شعب الهكسوس غامضا إلى أن تظهر أدلة أثرية جديدة .. وكل ما وصل إليه العلماء هوأن كلمة " الهكسوس" هى كلمة مصرية قديمة تعنى " حكام البلاد الأجانب" .

وتدل الشواهد الأثرية أن الهكسوس قد تسللوا إلى مصر ببطء وعلى مهل ، وربط بعض المؤرخين بداية هذا التسلل الهادئ بمجيئ إبراهيم عليه السلام إلى مصر هربا من الجوع والقحط (التوراة إصحاح 12 – تكوين) ، واختلف المؤرخون فى الزمن الذى حدث فيه بداية هذا التسلل .....
 وقد بدأ الهكسوس كما قلنا تسللا هادئا بطيئا لمصر إلى أن انقضوا عليها واجتاحوها عام 1730 ق.م. ، وتحكموا فى أقدارها قرابة قرن ونصف من الزمان ، إلى أن طردهم أحمس الأول خارج حدود مصر إلى أرض كنعان (فلسطين) .. !! .. وقد أكد الكثير من المؤرخين أن يوسف عليه السلام جاء إلى مصر وبيع إلى أحد وزرائها فى عهد الهكسوس ، ويؤكد ذلك أيضا بعض كتب التفسير الإسلامية (تفسير الألوسى . جزء 12 ص 206) .. وتقول أسفار اليهود أنه جاء إلى مصر فى السنة العشرين أو الثلاثين من حكم الهكسوس الذى دام مايقرب من 150 سنة .. ويتعين طبقا لرواية اليهود أن يكون حكم الهكسوس لمصر قد بدأ بعد مجيئ إبراهيم عليه السلام لمصر بمدة طويلة  .. والوقت المرجح لوصول إبراهيم عليه السلام لمصر هو عام 1898 ق. م. ، فى حين أن الهكسوس حكموا مصر من عام 1780 ق. م. – أى بعد وصول إبراهيم عليه السلام لمصر بما يقرب من 120 عاما .. وفى رواية أخرى يعتبر البعض أن إبراهيم عليه السلام كان من الهكسوس ، وأنه دخل مصر عام 1780 ق.م. مع بداية حكم الهكسوس لمصر ، وهى رواية مخالفة فى زمن دخول إبراهيم عليه السلام لمصر . وتقول الموسوعة العربية الميسرة (الناشر : مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر 1953) : أن اللفظ "هكسوس" هو إسم أطلقه المصريون على أولئك الغزاة الذين اجتاحوا بلادهم من أخلاط سامية آسيوية مختلفة حوالى عام 1730 ق.م. فآذوهم فى دينهم وأذلوهم ، وظلوا يحكمون البلاد قرنا ونصف قرن .

ويقول المؤرخ فيليب فاراداى Phillip R. Varaday Sr http://www.prvsr.com/median.htm : أن الهكسوس والعبرانيين تربطهم صلات نسب ومصاهرة ، كما أنه يتفق أيضا مع بعض المؤرخين من أن هناك علاقة وثيقة بين حكام الهكسوس وتسهيل دخول العبرانيين إلى مصر واستقرارهم فيها ، كما يتفق مع ماورد فى كتاب نايت ولوماس Knight & Lomas من أن إبراهيم عليه السلام كان من الهكسوس ، وأنه وصل لمصر عام 1780 ق.م. ، حبث سهّلت زوجته سارة (كما يقول) دخوله لقصر فرعون بعد أن رغب الفرعون  الإختلاء بها ، وأن طمع فرعون مصر فى سارة ورغبته الإختلاء بها جعله يحسن معاملة إبراهيم عليه السلام ، ويمنحه الكثير من العطايا والهدايا ، ومن هذه العطايا  كانت السيدة هاجر وهى أميرة أسيرة عنده .. وقد كذب إبراهيم عليه السلام حين أعلن لفرعون مصر أن سارة هى أخته وليست زوجته لكى لايصطدم مع رغبة الفرعون بها معتقدا أن الله كفيل بحمايتها .... ويعلم الله أن نفسى تتأفف من هذه الفرية الدنيئة التى اخترعها كاتب سفر التكوين وبعض المؤرخين اليهود .. ويقول الدكتور محمد بيومى مهران فى شأن تلك الفرية فى كتابه (دراسات تاريخية من القرآن الكريم جزء 1 ص 136) : أن تلك الفعلة لايقبلها إبراهيم عليه السلام على نفسه ، كما لايرتضيها  لعرضه أحط الناس ، فضلا أن يكون ذلك نبى الله وخليله العظيم ..


وإنى والله أتعجب أشد العجب عندما يسمح علماء المسلمين لأنفسهم نقل هذه الفرية الحقيرة عن سيدنا إبراهيم وزوجته سارة ويسجلوها بلا وعى فى مؤلفاتهم عن قصص الأنبياء .. وكأنها حقيقة مسلم بها لمجرد أن التوراة هى مرجعها .. هذا رغم علمهم أن التوراة الأصلية قد ضاعت عند السبى البابلى ، فأعاد أحبار اليهود كتابتها وتأليفها من خيالهم وذاكرتهم المريضة ، فزادوا عليها كما أنقصوا منها على مر العصور والأيام لكى تتوافق مع أطماعهم وأهوائهم . واعترف الكثير من اليهود بذلك ، ويكفينا نحن المسلمون ماأكده الله تعالى لنا فى تنزيله الحكيم ، حيث أكد تحريف التوراة "يحرفون الكلم عن مواضعه" ، كما أكد النسيان " ونسوا حظا مما ذُكروا به " (المائدة 13) ، كما أكد الله إغفال اليهود ذكر بعض الأحداث واصطناعهم للبعض الآخر من خيالهم المريض لكى تتفق مع ضلالاتهم "فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ....." (البقرة 79) . ومع ذلك ، فقد اقتبس المؤرخون الإسلاميون وكتاب التفاسير من التوراة دون حذر ، فغصت للأسف كتب التفاسير وكتب التاريخ الإسلامى بالإسرائيليات والأساطير التى دسها أدباء اليهود على التوراة الأصلية ..

الجمعة، 10 مارس 2017

(16)النبي صالح وقوم ثمود - الجزء الثاني والأخير

حتي لا ننسي ... أن صالح عليه السلام كان رسول الله الي قومه ثمود وكانت آيه الله لهم هي الناقة فعقروها فأصبحوا نادمين .. في هذ التوقيت كانت مصر تعيش الأسرة التاسعة والعاشرة من حكم قدماء المصريين وكانوا علي التوحيد الذي نزل عليهم من رب العزة في عهد سيدنا إدريس عليه السلام . وسوف نلخص هذه الحقبة الزمنية في هذا المقال .
عصر الدولة الوسطى 2134 – 1778 ق م
يذكر د. ثروت عكاشة ( ولم نجد المصريين قد تخلفوا عن هذا التوحيد أو حادوا عنه أيام الدولة الوسطى فنجد في وصاياهم النهي عما يغضب الرب ونقرأ ببردية تشستربيتي الرابعة : لا تعترض علي الرب فإنه يغضب علي من يعترض عليه ولا ترفع صوتك في المحراب فإن الله يحب السكون )
ويلاحظ أن نفس المواعظ الواردة بهذه البردية شبيهه بما ورد في القرآن الكريم منسوبا الي الحكيم المصري لقمان .
قال تعالى ( وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه ... الخ ... واصبر علي ما أصابك ) لقمان 13-17
وفي بردية تشستربيتي ( لا تعترض علي الرب ) أي أصبر علي ما أصابك .
كما نجد نفس المعني أيضا في كتاب الموتى في الفصل المسمى ( الإنكارات ) الذي يتحدث عن الأشياء التي ينبغي علي المتوفي أن يتبرأ منها يوم حساب الآخرة حيث وردت في الفقرة الآتية " ولم اعترض علي إرادة الله") أي أنه في حياته يصبر علي ما يصيبه ومن القدر الألهي .
كما نجد أيضا في مواعظ الحكيم المصري لقمان
قال تعالى ( وإذ قال لقمان لأبنه وهو يعظه .. الخ ... واغضض من صوتك ) لقمان 13-19
ومن مواعظ بردية تشستربيتي ( ولا ترفع صوتك .. فإن الله يحب السكون )
أي أن نفس المواعظ كانت تتردد في مصر علي ألسنة الحكماء منذ أقدم العصور
كما ينبغي الألتفات أيضا إلي أن هذه البردية تتحدث عن الإله في صيغة المفرد أي تنتمي الي مذهب التوحيد .
ولذا يذكر فرانسوا دوماس عن بردية تشستربيتي ( إن جاردنر عالم المصريات البريطاني الكبير .. لم يتردد في وصفها بأنها تنتمي الي مذهب التوحيد )
كما يذكر فرانسوا دوماس أيضا في حديثه عن آداب عصر الدولة الوسطى بصفة عامة ( وفي قصص من أمثال الواحة أو قصة سنوحى لا تستخدم الفقرات التي تنسب الي الحكم الأدبية .. تعابير أخري غير لفظ الإله )
إن فكل النصوص التي ترجع الي هذا العصر تنتمي الي مذهب التوحيد ...
عصر الأسرة العاشرة ...
( الحكيم اختوى )
ترك لنا أحد ملوك هذه الأسرة ويدعى أختوى الرابع بردية تحتوي علي مواعظ ونصائح إلي ابنه مرى كارع
وعن هذه البردية .. يقول د. أحمد فخري ( من أهم المصادر القديمة لدراسة الحالة الإجتماعية في مصر في أواخر أيام اهناسيا .. تلك البردية التي تحتوي علي النصائح التي وجهها الملك أختوى الرابع إلي ابنه الملك مرى كارع ويوصيه بالإكثار من إقامة المنشئات الدينية وأن يرضي الله والخوف منه فهو يعلم السر وما يخفي ويذكره بألا ينسى آخرته وأن يعمل لليوم الآخر .. ويوقل له بأن يذكر دائما نعم الله عليه )

ويذكر د. سليم حسن فقرات من هذه المواعظ والنصائح .. حيث يقول هذا الملك الحكيم :-
والإله يعرف الشقي وينتقم منه أشد العقاب
والإله يقول إني أنا المنتقم
وسأعاقب كلا بذنبه
وعلي الإنسان أن يعمل ما يريد
علي ألا ينسى الحساب الأخير ...
إن الإله قد أحكم ما خلق من أرض وسماء
وهيأها حسب حاجة الأحياء
فجعل للظمأ الماء .. وللنفس الهواء
كما جعل من زرع الأرض وحيوانها ومن طير السماء ومن سمك البحار .. طعاما لهم .
وسلط نقمته على العاصين ..
ثم يقول عن صلة الإنسان بربه في الدنيا والآخرة :-
تمضي الأجيال جيلا بعد جيل.
مثلما يمضي الماء في مجراه ليفسح لغيره.
وليس ثمة مجرى ماء يقف جامدا.
بل هو ماض في سبيله مكتسح ما يعترضه.
والله وراء الأجيال محيط بأعمالهم .
لا تدركه أبصار الناس وهو يدرك ما يعلمون.
فأعبد الله علي ما رسم لك في رفعتك وفي ضيعتك.
هذه بعض أمثلة مما ورد في نصائح ومواعظ ذلك الحكيم لأبنه .
ويعلق د. ثروت عكاشة علي هذه النصائح بقوله ( وهكذا نجد أن الوعي الديني برب معبود لا تراه العيون .. مما انتهت إليه نظرة الحكماء من قدماء المصريين منذ أربعة آلاف من السنين .. بل ... لقد انتهي ذلك الحكيم الإهناسي في وصف الرب إلي قريب مما جاءت به الأديان السماوية .)
ويذكر بريستد ( ونلاحظ زيادة الإمعان في صوغ هذه التأملات بصبغة التوحيد في الصورة الآتية التي صور فيها الحكيم الإهناسي الخالق الحاكم الرؤوف – في خاتمة تأملاته – إذ يقول : إن الله قد عنى عناية حسنة برعيته فقد خلق السماوات والأرض ... الخ )
ويذكر د. سليم حسن ( وقد ختم هذا الملك الحكيم كلامه بتأملات تدل علي اعتقاده بالوحدانية ووصف خالقة المسيطر علي العالم )
هكذا عقائد وأفكار قدماء المصريين من أهل ذلك الزمان منذ أكثر من أربعة آلاف سنة في عصر نبي الله صالح عليه السلام وقوم ثمود .
===============

المرجع : قدماء المصريين أول الموحدين 

الخميس، 9 مارس 2017

(15)النبي صالح وقوم ثمود - الجزء الأول

هو صالح بن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد بين خاذر بن ثمود بن عامر بن إرم بن سام .
بعث نبي الله صالح الي قوم ثمودحيث سكنوا في منطقة الحجر والتي تسمى اليوم بمدائن صالح وهي منطقة جبلية حيث تفننوا بنحت الجبال وجعلها بيوتا واتخاذ السهول وتحويلها قصورا كما جاء بالقرآن الكريم . وتميزت بلادهم بخصوبة الأرض إضافة الي موقعها الجغرافي علي طريق التجارة بين الشام واليمن . وتهيأت لهم بذلك سبل العيش الرغيد لكنهم قابلوا هذه النعم بالإنحراف عن شرع الله فأصابهم بذلك مثل ما أصاب قوم هود من كفر بالله وجحد بنعمه , فيعث الله فيهم رسولا منهم وهو صالح عليه السلام فحذرهم من عاقبة أمرهم وسؤ اعمالهم القبيحةوأفعالهم الآسنة قفاموا بسفه وتكذيبه وطالبوه بحجة دامغة علي نبوته لتصديقة
فأتاهم بالناقة المعجزة وطلب منهم ألا يمسوها بسوء .

مكثت الناقة المعجزة فترة في ديار ثمود تأكل من نبات الأرض وتشرب من الماء يوميا وتعرض عنه يوما آخر , مما دعا بعضهم إلي أن يؤمن بمعجزة نبي الله صالح عليه السلام , فخشي القوم من مغبة هذا الأمر وخطورته علي ملكهم فبرز حقد تأصل في قلوب مريضة حينما تآمر تسعة من رهط من قوم ثمود علي قتل الناقة المعجزة .
هكذا حل العقاب الأليم بقوم ثمود نتيجة كفرهم بالله تعالى وعقرهم الناقة المعجزة . في الووقن الذي نجي الله صالحا والذين آمنوا معه من العذاب الذي حل بقومهم وأصبحت مساكنهم عرة وعظة .

ذلك وقد عاصرت الأسرة التاسعة والعاشرة من قدماء المصريين هذه الأحداث وهم علي توحيد بالله . ولم يكن هناك معلومات عن طريقة التواصل بينهم وبين قوم ثمود . والجزء القادم سنتكلم عن هذين الأسرتين .

===============
المرجع : اطلس تاريخ الأنبياء والرسل
===========================


الأحد، 5 مارس 2017

(14)النبي هود وقوم عاد - الجزء الرابع والأخير

قلنا أن بعثة نبي الله هود الي قوم هود كانت في خلال حكم الأسرة الخامسة والسادسة في تاريخ مصر القديم . ولكن لم يكن بينهم علاقوة ذكرت في جميع كتب التاريخ وجميع الكتب السماوية .
وهنا بالجزء الأخير نعرض مختصر عن قوم عاد – الأحقاف – وبعثة هود عليه السلام تقريبا عام 2400 ق م .

سكن قوم عاد في منطقة الأحقاف بين الربع الخالي وحضرموت حيث حباهم الله الأجسام الضخمة والأبدان القوية لقوله تعالى ( واذكروا إذ جعلكم من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة ) الأعراف-69 . فهم من القبائل العربية التي استخلفت في جنوب الجزيرة العربية بعد قوم نوح المسلمين الذين نجوا من الطوفان العظيم . فراحوا يشيدون البيوت وينشئون المصانع فأضحت لديهم حضارة مادية غير مسبوقة حيث وصف الله مدينتهم بقوله ( ألم تر كيف فعل ربك بعاد – إرم ذات العماد – التي لم يخلق مثلها في البلاد ) الفجر 7-8 . وقد أسهب المؤرخون في وصف هذه المدينة لما تحتويه من لآلف من القصور الشاهقة العالية المطعمة بالأحجار الكريمة والمحاطة بالأسوار المرتفعة .. الخ .



ومع هذه الخيرات العظيمة والنعم الوفيرة التي ينبغي أن تقابل بالشكر والثناء راحت عاد تنغمس في الملذات الحسية والشهوات الدنيويه فعبدو أصناما ثلاثة ( صداء وصمود والهباء ) فبعث الله فيهم نبي الله هودا عليه السلام  ليهديهم الي سواء السبيل بعد أن اشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا ونحو شريعة الله في حياتهم .
وبقد دعا هود قومه بالوسائل الحسنى فأستكثروا أن يدعوهم هود الي عبادة الله وحده ونبذ عباده الآباء الضالين , فلما استخدم هود جميع الطرق المقنعة لهداية قومه بدأت علامات النتجحين في المقابل تتصاعد فقالوا له ( ... سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين – إن هذا إلا خلق الأولين – وما نحن بمعذبين ) الشعراء 136 . فأوقع الله عليهم الرجس والغضب فحبس عليهم الغيث ثلاث سنين حتي بلغ الجهد مبلغه والبلاء غايته فجاء أمر الله بإنزال العذاب , قال تعالى ( فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب اليم – تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذللك نجزي القوم المجرمين ) الأحقاف 24-25 . بعد أن تجى الله هودا والذين آمنوا معه من العذاب الأليم .
الجزء القادم سنتكلم علي قوم ثمود ونبي الله صالح وسنعرف إن كان لهم علاقة بحضارة مصر القديمة أم لا مع سرد الأحداث الزمانية والمكانية لهذا الحدث
===============

المرجع : اطلس تاريخ الأنبياء والرسل

السبت، 4 مارس 2017

(13)النبي هود وقوم عاد - الجزء الثالث

نكمل معا الأسرة الخامسة التي كانت في عصر نبي الله هود وقوم عاد .. برغم انهما لم يلتقيا في المكان معا ولكن توجد شواهد وقرائن تدل أن المصريين القدماء كانوا موحدين بالله ولذلك لم يكن في هذا الزمان رسول أرسل اليهم.
عن الإرادة الإلهية يقول بتاح حوتيب ( ما أراده الرب .. يتحقق )
وفي القرآن الكريم قال الله تعالى ( إن الله يفعل ما يريد ) الحج -14
وقال تعالى ( وإذا أراد الله بقوم ... الخ ... فلا مرد له . ) الرعد -11 أي لابد وأن يتحقق
ويعلق د عبد العزيز صالح علي مقوله بتاح حوتيب ..( وتعاليم بتاح حوتيب قد التمست لمن وجهت إليه من جانب الدين ما يكفل له توازنه النفساني والسلوكي .. فنبعته إلي إرادة عليا تقصر دونها إرادة البشر ... هي إرادة الله )
كما ينهى بتاح حوتيب عن الأعتراض علي هذه الإرادة الإلهية ويقول ( إن الجهول هو من يعترض على إرادة الرب )

وعن الأرزاق يقول بتاح حوتيب ( الرزق وفق مشيئة الله )
وفي القرآن ( إن الله يرزق من يشاء ) آل عمران -37
ويقول بتاع حوتيب ( أن الرزق طبقا لتدبير وتقدير الرب )
وفي القرآن ( إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ..) الإسراء -30
ويقول حوتب ( إن الله يعز من يشاء ويذل من يشاء .. لأن بيده مقاليد الأمور )
وفي القرآن الكريم ( وتعز من تشاء وتذل من تشاء . بيدك الخير إنك علي كل شيء قدير ) آل عمران – 26
ويقول حوتب أيضا ( لا تكثر من اللغو ولا تسمعه فإن تكرر فأطرق في الأرض ولا تصغ اليه)
وفي القرآن الكريم قال الله تعالى :-
( وإذا مروا باللغو مروا كراما ) الفرقان -72
( وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ) القصص -55
( والذين هم عن اللغو معرضون ) المؤمنين -3
ويقول بتاح حوتيب أيضا :- ( لا تخن من أئتمنك ) ... ( والأمين يؤدي أمانته )
وفي القرآن ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى أهلها ) النساء -58
ويقول بتاح حوتب ( ما علي الرسول إلا البلاغ .. وكن بغير خلط )
وفي القرآن الكريم :-
( ما علي الرسول إلا البلاغ ) المائدة -99
( وما علي الرسول إلا البلاغ المبين ) النور -54 والمبين هو الواضح الذي لا خلط فيه .

فهل كان هذا التطابق الكامل بين التشبيهين مجرد مصادفة ؟؟
ثم كل تلك النشابهات العديدة الأخري التي سبق ذكرها . هل كانت هي الأخري جميعها مجرد مصادفة ؟
وصدقت د. نعمات أحمد فؤاد حين قالت ( الإسلام زهرة .. جذورها في مصر القديمة )
وتقول أيضا ( جاء الإسلام ولم يكن جديدا علي مصر كل الجدة .. فمضامينه وقيمه نفذت إليها مصر بطريقة ما )
إذ أن الكثير من المعاني التي جاء الإسلام بها مسطورة في القرآن الكريم .. وكانت – هي نفسها – تتردد في مصر القديمة منذ آلاف السنين .
ويبقي السؤال .. من الذي أنبأ المصريين القدماء بكل ذلك المعاني ؟؟
ومن أين اتى الحكيم بتاح حوتب بكل هذه المعاني القرآنية التي وردت في نصائحه ؟؟
باديء ذي بدء .. هي ليست من ابتداعه وإنما هو قد نقلها من حكماء سابقين ..
وسيرة بتاح حوتب نفسها تؤكد ذلك ..
ففي هذه السيرة أن دافعة الأصلي لكتابة هذه المواعظ لإبنه كان إعداده لتولي منصب الوزارة من بعده – عندما بلغ سن الشيخوخة – حيث كان قد تقدم للملك برغبته هذه .
وقل له – كما يذكر د. سليم حسن ( دع إبني يحتل مكاني .. فأعلمه أحاديث وأفكار من سلفوا في الأزمان الخالية )
ويورد المؤرخ عبد القادر حمزة نفس الواقعة حيث يذكر أنه قال للملك (وليكن لي أن ألقن ابني .. مواعظ القدماء ) وعندئذ وافق الملك وأجابه ( لقن ابنك الحكم القديمة )
إذن فكل ما سيقوله بتاح حوتب لأبنه هي المواعظ والنصائح التي سبق ذكرها في الصفحات السابقة هو جميعة من الحكم القديمة ومن مواعظ القدماء ..
ويؤكد هذا ايضا أن بتاح حوتب في ختام نصائحه قال لأبنه ( والفضل في هذه النصائح التي القيتها عليك يرجع للأجداد )
أي أن كل ما ذكره بتاح حوتب من مواعظ ونصائح كان موجودا ويتردد في مصر قبل عصره بكثير أي قبل الأسرة الخامسة (2560 : 2420 ق م )

أما عن الأسرة السادسة ( 2430 : 2280 ق م )
من بين شخصيات هذا العصر حاكم مسمي ( حر خوف )
يقول عنه فرتنسوا دوماس ( وعندما تظهر الوصايا التي تتعلق بالعدالة والإحسان منذ الدولة القديمة فأنها تنسب في معظم الأحوال الي الله )
وقد أعلن حر خوف ( أرغب أن يكون إسمي قد بلغ الكمال في حضرة الإله العظيم )
وعن التوحيد في زمن الأسرة السادسة بوجه عام قيذكر المؤرخ عزة دروزة ( وقد وحد في نقوش الأسرة السادسة هذا الوصف – أيها السيد المالك كل شيء والذي لا نهاية ولا حد له .. الخ )
وواضح أن النص يحتوي علي وصف الإله الأكبر الواحد الخالق المالك لكل شيء ...
في الجزء القادم سوف نتكلم عن مختصر قوم عاد ونبي الله هود
===============

المرجع :- قدماء المصريين أول الموحديين

الجمعة، 3 مارس 2017

(12)النبي هود وقوم عاد - الجزء الثاني

ونكمل ما جاء من الأسرة الخامسة :-
وكما أن هنالك أيضا العديد من المعاني التي ذكرها الحكيم بتاح حوتيب والتي تتشابه مع المعاني الواردة في القرآن الكريم .
فمثلا ...
يقول عن الآداب الشرعية للزيارة ( إذا دخلت بيتا فلا تنظر بعين السوء إلي من فيه من النساء .. فإن ألوفا من الرجال يقعون في الهلاك بسببهن .. لأن جمال اعضاءهن يخلب العقول ... )
وفي ترجمة أخر ( إذا دخلت بيت غيرك فأحذر من توجيه بصرك الي خدر نسائه .. فكم هلك إناس من جراء ذلك .. بسبب متعة قصيرة تضيع كالحلم )
ويضيف قائلا ( واعلم أن بيت الزاني مآله الخراب )
وفي القرآن الكريم : قال تعالي ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ... الخ )
قال تعالى ( قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم ويحفظوا فروجهم ... الخ ) النور 27-30
وفي التفسير ( هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم وعما حرم عليهم .. الخ ... ولما كان النظر داعية الي فساد القلب – كما قال بعض السلف "النظرة سهم سم الي القلب"- .. لذلك أمر الله بحفظ الفروج ... بمنعها عن الزنا )



ويوصل الحكيم بتاح حوتيب فيقول ( إعلم أن بيت الزاني مآله الخراب ... وكل زان لابد أن يكون ممقوتا من الله لأنه مخالف للشرائع )
وفي القرآن ( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا )
إذن .. ما قاله الحكيم المصري القديم من أن الزنا مخالف للشرائع الإلهية هو نفسه ما جاء في القرآن الكريم .
با والأعجب والأغرب أن عقوبة الزنا عند قدماء المصريين كانت هي الأخرى صورة طبق الأصل مما ورد في القرآن .
يذكر د. عبد الرحيم صدقي ( إن المتتبع لتاريخ مصر القديم يلحظ أن أول وثيقة نتعلق بموضوع الزنا ترجع إلي الأسرة –  أي نفس عصر الحكيم بتاح حوتيب – ولقد قدم هذه الوثيقة الأولى للمؤرخ الشهير "بيرن" في إحدى مؤلفاته عن الحضارة المصرية القديمة )
أما عن العقوبة التي كانت توقع علي الزاني
يذكر د. عبد الرحيم صدقي ( إن عقوبة الزنا كانت الجلد وكانت العقوبة عامة ... أي توقع بصورة رسميه علي يد الحاكم )
ويضيف ( واضح أن الحكمة من إقرار هذا العقاب أنها تقصد الإيلام مقابل اللذة الآثمة )

كما يذكر فلندرز بتري ( ويعد ديودوور – المؤرخ والرحالة الإغريقي – خير من كتب عن القانون الجنائي المصري وسجل نصوصه .. الخ ... أما عقوبة الزنا من غير إكراه فكانت الجلد للزاني )
ويضيف د . عبد الرحيم صدقي ( وقد ميز ديودور بين فعل الزنا .. وفعل هتك العرض أو الأعتصاب ... إذ ان الزنا لو تم بالغصب كان الجزاء .. الخ ... أما لو تم بدون عنف .... فإن الزاني كان يجلد )
إذن فعقوبة الزنا في شريعة المصريين القدماء كانت الجلد .
وفي القرآن .. قال تعالى ( والزانية والزاني .. فأجلدوا كل واحد منهما ... الخ ) النور-3
أي أن ما كان يفعله المصريين القدماء منذ أقدم عصورهم .... هو نفسه ما جاء في القرآن الكريم الذي يمثل شريعة الله .
بل ويؤكد المصريين القدماء أنهم كانوا يفعلون ذلك وفقا للشرائع الإلهية .
وقد نص بتاح حوتيب علي ذلك إذ يقول ( وكل زان لابد أن يكون ممقوتا من الله لأنه مخالف للشرائع ... ومن خالف الشرائع الإلهية نال شر الجزاء )
ويذكر د. عبد الرحيم صدقي عن القانون الجنائي في مصر القديمة إن القانون المصري القديم هو قانون إلهي ).
وللحديث بقية عن الأسرة الخامسة التي عاصرت نبي الله هود لقوم عاد .
===============
المرجع :- قدماء المصريين أول الموحديين